بترت الحرب أطرافهم.. أطفال غزة يركضون خلف أحلام لم تُبتَر

بترت الحرب أطرافهم..  أطفال غزة يركضون خلف أحلام لم تُبتَر
تقارير وحوارات

غزة / خالد داود:
بعكازات تسند خطواتهم، وبإرادة تبدو أقوى من الألم، يلاحق أطفال مبتورو الأطراف في مدينة غزة كرة القدم داخل الملعب، في محاولة لاستعادة شيء من طفولتهم التي سلبها الاحتلال باستهدافهم المتواصل. وبينما تتحرك العكازات على أرض الملعب، ويتناقل الأطفال الكرة، يحاول هؤلاء كتابة قصة مختلفة عن تجربتهم مع الفقد والألم التي فرضها عليهم الاحتلال الإسرائيلي؛ قصة لا يكون فيها البتر نهاية الطريق، بل بداية لمحاولة جديدة لاستعادة بعض حقوقهم في الحياة كأطفال.

ففي غزة، حيث تبدو الطفولة مثقلة بالكثير من الألم، يركض الأطفال بإرادة صلبة، حاملين أحلامًا أكبر من حدود الملعب، وأملًا في أن تعيد لهم الرياضة بعضًا مما فقدوه.
وتشارك مجموعة من الأطفال في تدريبات على كرة القدم تنظمها أكاديمية «هييل» لكرة القدم للمبتورين، في محاولة لتوفير مساحة رياضية وترفيهية تمنحهم فرصة للحركة واللعب والتفاعل مع أقرانهم، بعيدًا عن أجواء المعاناة والضغوط التي يعيشها الأطفال في قطاع غزة جراء الحرب.
دعم نفسي
وتقول المدربة في الأكاديمية شيماء فلفل: إن الهدف من إقامة هذه التدريبات هو التخفيف عن الأطفال مبتوري الأطراف ودعمهم نفسيًا من خلال الرياضة، إلى جانب تشجيعهم على ممارسة كرة القدم والمشاركة في الأنشطة الرياضية.
وأضافت فلفل لـ»الاستقلال» أن الرياضة تمثل وسيلة مهمة لمساعدة الأطفال على تجاوز آثار الظروف الصعبة التي مروا بها خلال الحرب، من خلال منحهم فرصة للاندماج والتواصل مع الآخرين، والشعور بأنهم قادرون على ممارسة الرياضة وتحقيق الإنجاز رغم التحديات التي يواجهونها بعد فقدان أطرافهم.
وتؤكد فلفل أن الرياضة لا تقتصر على الترفيه، بل تساعد الأطفال على تفريغ الضغوط النفسية، وبناء اللياقة البدنية، وتعزيز الثقة بالنفس، وصقل الشخصية، ومنح الطفل شعورًا بقدرته على أن يكون عنصرًا فاعلًا في المجتمع رغم فقدانه أحد أطرافه.
وأشارت فلفل إلى أن الحرب خلفت عددًا كبيرًا من الأطفال ممن فقدوا أطرافهم بفعل الغارات الإسرائيلية، وهم اليوم بحاجة ماسة إلى من يدعمهم ويساندهم ويقف إلى جانبهم للنهوض بهم ودمجهم في المجتمع عبر فعاليات وأنشطة ترفيهية ورياضية واجتماعية.
وأوضحت فلفل أن نقص المعدات الرياضية وغياب المساحات الرياضية والملاعب الآمنة والمجهزة يمثلان أحد أبرز التحديات التي تواجه عملهم، لافتة إلى أن غياب كرات القدم تسبب في تأجيل بعض الحصص التدريبية، قبل أن يتم توفير عدد محدود منها.
استعادة الطفولة!
وعلى أرضية الملعب، يحاول الطفل عمر حلاوة، البالغ من العمر 14 عامًا، ملاحقة الكرة. يخطو بحذر، ويتعثر أحيانًا، ثم يستعيد توازنه ويواصل اللعب. وبين تمريرة وأخرى، ترتسم على وجهه ملامح فرح تبدو بعيدة عن قسوة الواقع الذي يعيشه خارج الملعب.
ويقول عمر لـ»الاستقلال» إن حضوره إلى تدريبات كرة القدم يمنحه فرصة للابتعاد قليلًا عن التعب والضغط، واستعادة بعض اللحظات التي تشبه طفولة أقرانه، مضيفًا: «جئت اليوم لألعب كرة القدم وأخرج ما بداخلي من تعب وضغط. عندما نأتي إلى هنا نلعب ونفرح وننسى قليلًا ما مررنا به.»
لكن وراء هذه الخطوات المتعثرة قصة إصابة غيّرت حياة عمر؛ فقد فقد ساقه بعدما خرج لجلب المياه لعائلته، في ظل أزمة المياه التي فرضتها الحرب على سكان قطاع غزة.
ويروي عمر أن رحلة البحث عن المياه تحولت إلى مأساة بعدما تعرض المكان للقصف الإسرائيلي، ما أدى إلى استشهاد اثنين من أبناء عمه، فيما أصيب هو إصابة بالغة انتهت ببتر ساقه.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح عمر يواجه واقعًا جديدًا، لكنه يرفض أن تكون إصابته نهاية لحياته أو لطفولته. ويجد في كرة القدم مساحة للتفريغ النفسي، والتواصل مع الأطفال الآخرين، ومحاولة استعادة شيء مما فقده.
ولا يخفي عمر حلمه في الحصول على طرف صناعي يساعده على المشي والركض بصورة أفضل، ويمنحه فرصة للعودة إلى حياة أقرب إلى الطبيعي.
ويقول: «أتمنى أن أرتدي طرفًا صناعيًا وأصبح مثل أطفال العالم، ألعب وأجري وأتحرك بشكل طبيعي. أطفال غزة حُرموا من أشياء كثيرة، وأنا أيضًا حُرمت من أشياء كثيرة بسبب إصابتي.»
أحلام لم تبتر
وعلى الجانب الآخر من الملعب، تتحرك نور الأشقر، 13 عامًا، بساق واحدة، محاولة الركض ومجاراة زملائها في التدريب، فقد تبدو خطواتها محدودة، لكن إصرارها يتجاوز حدود الملعب؛ فهي تأتي إلى التدريبات لتلعب، وتفرغ ما تراكم داخلها من خوف وألم، وتحاول أن تستعيد عبر الرياضة جزءًا من حياتها التي تغيرت بفعل الحرب. وتروي نور أن إصابتها وقعت في 30 حزيران/يونيو 2024، عندما كانت تجمع الحطب برفقة والدها، في استهداف إسرائيلي أدى إلى فقدانها ساقها، لتبدأ بعدها مع أسرتها رحلة جديدة فرضها البتر، وتغيرت معها تفاصيل حياتها اليومية.
ورغم فقدان ساقها، لم تتخلَّ نور عن الألعاب والأنشطة التي كانت تحبها، بل عادت تدريجيًا إلى ممارسة كرة القدم والتدريب، محاولة التكيف مع واقعها الجديد واستعادة قدرتها على الحركة.
وتؤكد نور أن فقدان ساقها لم يكن سببًا للتخلي عن الحياة أو عن أحلامها، بل دافعًا لها للمضي قدمًا، قائلة إن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد ويسعى نحو تحقيق أحلامه، حتى وإن فقد جزءًا من جسده وتغيرت تفاصيل حياته.وتقول نور: «فقدان ساقي لا يعني أن حياتي انتهت، أريد أن أستمر وألعب وأتدرب، وأن أبني لنفسي مستقبلًا جديدًا رغم كل ما حدث.»
معاناة متفاقمة
وبحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، أُصيب نحو 172 ألف شخص في غزة خلال حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينهم أكثر من 43 ألف شخص يعانون إصابات يُحتمل أن تغيّر حياتهم وتحتاج إلى إعادة تأهيل طويل الأمد. كما تقدّر المنظمة وقوع أكثر من 5 آلاف حالة بتر للأطراف، بينهم نحو طفل واحد من كل خمسة مبتورين.
وتزداد معاناة الأطفال المبتورين مع صعوبة الحصول على الأطراف الصناعية وخدمات التأهيل؛ إذ يشير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن أكثر من 50 ألف شخص في غزة يحتاجون إلى إعادة تأهيل طويل الأمد، في وقت تعاني فيه خدمات التأهيل من نقص حاد في المعدات والأجهزة المساعدة والأطراف الصناعية.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق